السيد كمال الحيدري

105

اللباب في تفسير الكتاب

ارتحاله صلّى الله عليه وآله تنقص وتسقط حكماً فحكماً ، يوماً فيوماً بيد الحكومات الإسلاميّة ، ولم يبطل حكم أو حدّ إلّا واعتذر المبطلون : أنّ الدِّين إنّما شرّع لصلاح الدُّنيا وإصلاح الناس ، وما أحدثوه وابتدعوه أصلح لحال الناس اليوم ، فجاءت نظريّات : المصالح المرسلة ، والاستحسان ، والقياس ، ونحوها . حتّى آلَ الأمر إلى أن قيل : إنّ الغرض الوحيد من التشريعات الدينيّة هو إصلاح المجتمع الإنسانى ، ومع اختلاف الشرائط الاجتماعيّة والاقتصاديّة والعلاقات التي تحكمها فإنّ تلك التشريعات غير قابلة للتطبيق ، بل تستدعى وضع قوانين ترتضيها المدنيّة الحديثة . إذا تأمّلت في هذه وأمثالها وهى لا تحصى كثرة وتدبّرت في قوله تعالى : ( فَأَمَّا الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ ) لم تشكّ في صحّة ما ذكرناه ، وقضيت بأنّ هذه الفتن والمحن التي ما فتئت تحاول ضرب الإسلام والمجتمع الإسلامي في أركانه ، لم يستقرّ قرارها إلّا من طريق اتّباع المتشابه وابتغاء تأويل القرآن . ولعلّ هذا هو السبب في تشديد القرآن الكريم في هذا الباب وإصراره البالغ على النهى عن اتّباع المتشابه وابتغاء الفتنة والتأويل في آيات الله والقول فيها بغير علم واتّباع خطوات الشيطان ، فإنّ من دأب القرآن أنّه يبالغ في التشديد في موارد سينثلم من جهتها ركن من أركان الدِّين فتنهدم به بنيته ، كالتشديد الواقع في تولّى الكفّار ، ومودّة ذوى القربى ، وقرار أزواج النبىّ ، ومعاملة الربا ، واتّحاد الكلمة في الدِّين وغير ذلك . ولا يغسل رين الزيغ من القلوب ولا يسدّ طريق ابتغاء الفتنة اللذين منشأهما الركون إلى الدُّنيا والإخلاد إلى الأرض واتّباع الهوى إلّا ذكر يوم الحساب ، كما قال تعالى : ( وَلَا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ ) ( ص : 26 ) .